الشيخ عيسى بن علي بن مادي
(1880–1962)
عالِم نفوسي، وأزهريّ التكوين، وركن من أركان النهضة الدينية والاجتماعية في يفرن
الشيخ عيسى بن علي بن سالم بن خليفة بن سالم بن سليمان بن عمر بن موسى بن عبد الجليل بن مادي، فقيه وقاضٍ ومربٍّ من أعلام جبل نفوسة في القرن العشرين. وُلد في قرية ديسير (الشقارنة) في مدينة يفرن نحو 1297هـ/1880م في بيت علم وقرآن؛ إذ كان والده الشيخ علي من حفظة كتاب الله ومعلّميه، فنهل عنده مبادئ القرآن والفقه، ثم درس على نخبة من مشايخ الجبل، أبرزهم الشيخ عبدالله الباروني والد المجاهد سليمان الباروني.
التعليم الأزهري ورحلة مصر (1902–1906)
في سن الحادية والعشرين غادر موطنه رغم صعوبة الظروف وكون زوجته حاملاً بابنه البكر، واتجه إلى مصر راغبًا في التحصيل العالي.
التحق بالأزهر سنة 1320هـ/1902م، ودرس فيه العلوم الشرعية والفقه العام وعلوم العربية، وجاور كبار العلماء، مثل:
- الشيخ سليم البشري (شيخ الأزهر وقت دخوله)
- طنطاوي جوهري
- محمد شاكر
- حسونة النواوي
- محمد أبو الفضل الجيزاوي
- مصطفى الميراغي
- محمد أحمد الظواهري
كما عاصر أعلام الفكر الإسلامي الحديث: محمد عبده – محمد رشيد رضا – محمد إقبال.
تنقل بين حلقات الأزهر، واعتاد التردّد على وكالة الجاموس الملاصقة لجامع ابن طولون، حيث دوّن بعض مخطوطاته وزخرفها بيده. وتشير الوثائق إلى أنّه حاز إحدى شهادات العالمية أو الأهلية للغرباء التي كانت تعادل الليسانس.
العودة إلى يفرن وبناء الدور العلمي والاجتماعي
بعد عودته، اكتسب مكانة مرموقة بين أهله وأعيان الجبل، وأضحى مرجعًا علميًا وقاضيًا ومحررًا للعقود الشرعية:
- عقود البيع والشراء
- عقود الزواج
- وصايا الأهالي
- اتفاقيات الصلح
وتُظهر الوثائق نماذج بخطه تُبيّن رسوخ معرفته الفقهية واللغوية ودقته في الصياغة الشرعية.
أنشأ “مربوعة الشيخ عيسى”، التي كانت ملتقىً للزائرين من كل المناطق، الساحلية والجبلية. عُرف بكرمه الجم وحسن ضيافته، وكانت عائلته تعد الطعام للضيوف الذين يمكثون أيامًا كاملة.
شخصيته واهتماماته
اتسم الشيخ عيسى بالوقار والهيبة، وامتاز بصفات إنسانية ودينية عالية:
- الخُلق واللين، وحسن المعشر مع المسلمين واليهود على السواء. فقد كان يقبل مؤاكلتهم خلافًا لعادات بعض أهل القرى، ويحبّ “العجة اليهودية”.
- حِرف متعددة اكتسبها خلال غربته: صناعة الأحذية (البلاغي)، صنع الصابون، الرسم والزخرفة.
- فن الزخرفة الخطية على المخطوطات وألواح الكتاتيب، وكان يعدّ الحبر من الصمغ وروث الماشية والزعفران.
- الزراعة والعناية بالبساتين، حتى عُرف عنه أنه لا يترك بستانه مهملاً.
- تشجيع الأطفال على حفظ القرآن وإكرامهم بالطعام وحضورهم على مائدته.
نشاطه الوطني ومقاومة الاحتلال الإيطالي
كان الشيخ عيسى من أوائل رافضي دخول القوات الإيطالية للجبل خلال ما سُمّي بـ”فتنة الجبل”، وحرض على المقاومة، فالتحق بصفوف جيش المجاهد سليمان الباروني.
بسبب نشاطه المناهض للاحتلال، اعتُقل ونُفي إلى مدينة زوارة لثلاث سنوات (تقريبًا بين 1911–1916).
رافقه في نفيه ابنه محمد الذي كان في سن الطفولة بعد وفاة والدته، فكان الشيخ له أبًا وأمًا.
كما اختبأ قبل اعتقاله مدةً طويلة في الرياينة في بيت الشيخ ضوء صمندة.
أيّد الشيخ الجمهورية الطرابلسية (1912) وكان مقرّبًا من وجوه الحركة الوطنية في الجبل.
دوره الديني والإصلاحي
- كان أحد أئمة مسجد الشقارنة، وكان مواظبًا على الصلوات الخمس سيرًا على قدميه عبر مسافة طويلة.
- اشتهر بصرامته في مكافحة مظاهر البدع والقبورية ومنع النياحة في الجنائز، ومنع “الزكرة” في الأعراس.
- كان عضوًا في المجلس المحلي في تلك الحقبة، مرجعًا في فضّ النزاعات والقضايا الشرعية.
- حول كنيس “ناتان” بعد هجرة اليهود إلى مسجد وصار أحد أئمته.
مؤلفاته ومخطوطاته
ترك الشيخ عيسى عدة مؤلفات ومخطوطات كتبت بخطه وزخرفته، وطُبعت في مؤسسة الجاموسي بالقاهرة بين 1902–1906. من أشهرها:
الشمائل المحمدية
مخطوط فقهي/حديثي مزخرف، يعرض أوصاف النبي ﷺ وسيرة النبوة اعتمادًا على كتب الحديث. وتُظهر صفحاته مهارة الشيخ في الكتابة والزخرفة ودقة النقل.
أسرته
تزوج خمس مرات، وخلّف أربعة أبناء:
- محمد (البكر)
- علي
- سليمان
- ريمة
أما زوجاته فهنّ: سالمة شليق – سليمة بالحاج – عائشة فارس – عزيزة شليق – تعزيز القبلاوي.
وكان له إخوة: عريبي، إمْحمد (توفيا مبكرًا)، خليفة (أصغر منه)، وأخته عزيزة.
وكان له أصدقاء من أعيان الجبل، منهم: سعيد بوكربوعة، سعيد قرادة، علي البرشوشي، أبو القاسم الشماخي، ومسعود الحاج عمر، والشيخ محمد عون (الأسود)، وغيرهم.
مراحل التاريخ التي عاصرها
امتدت حياة الشيخ عيسى على مدى قرنين تقريبًا، وشهد أحداثًا كبرى:
- أفول الدولة العثمانية
- الاحتلال الإيطالي
- الحربان العالميتان
- مجاعة عشرينيات القرن الماضي
- عام الثلج 1942
- حرب فلسطين 1948
- بدايات دولة الاستقلال في عهد الملك إدريس
وفاته
توفي الشيخ عيسى مادي سنة 1381هـ/1962م عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد معاناة مع مرض في المعدة.
ودُفن في مسقط رأسه، وبقي ذكره راسخًا في ذاكرة يفرن وأبناء جبل نفوسة.
الخلاصة الموسوعية
يمثل الشيخ عيسى بن علي بن مادي نموذجًا للعالم النفوسي الذي جمع بين:
- التكوين الأزهري الراقي
- العطاء الاجتماعي الواسع
- الدور الوطني المقاوم
- الإصلاح الديني
- الحرف التقليدية والفنون الجمالية
- المرجعية الفقهية والقضائية
وهو واحد من الشخصيات التي أسهمت في صون الهوية الدينية والثقافية ليفرن وجبل نفوسة خلال مرحلة بالغة الاضطراب من تاريخ ليبيا.



















Place your comment