عزّابة (إعزابن)
التصنيف: [الفقه الإباضي – التنظيم الاجتماعي – التاريخ الثقافي – جبل نفوسة]
تمهيد تُعدّ العزَّابة (وتُسمّى أيضًا الحلقة) من أبرز المؤسسات الدينية والاجتماعية في المجتمع الإباضي، وقد ظهرت لحفظ الشريعة وتنظيم حياة الناس في فترات غياب السلطة العادلة، لا سيما بعد سقوط الدولة الرستمية وتغلب الفاطميين.
تعريف العزَّابة:
العزَّابة هي هيئة محدودة العدد من أهل الصلاح والعلم في كل قرية أو مدينة إباضية، تتولى الإشراف الكامل على شؤون الناس الدينية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية، وفي بعض الأحيان السياسية. في أزمنة الكتمان، كانت تمثل سلطة الإمام وتنوب عنه، وفي أزمنة الظهور كانت بمثابة مجلس شورى للإمام أو ولاته.
أصل التسمية:
اشتقت كلمة العزَّابة من “العزوب”، أي الانقطاع، وهو انقطاع أعضاء الهيئة عن مشاغل الحياة، وتفرغهم لخدمة الناس في سبيل الله دون أجر. أما مصطلح الحلقة فيعني اجتماع الأعضاء على شكل دائرة في المسجد، تيسيرًا للتشاور.
مقر العزَّابة:
مقر الحلقة يكون دائمًا داخل المسجد، في مكان خاص لا يدخله غيرهم، ويقوم أصغر الأعضاء بخدمته وتنظيفه. الاجتماعات فيه سرّية، ولا تُخرج منه المداولات إلا في صيغة قرارات يُعلنها الشيخ أو من ينوب عنه.
عدد الأعضاء وتنظيم الحلقة:
يتراوح عدد الأعضاء بين 10 و16 عضوًا، ويوزعون المهام بينهم كما يلي:
- شيخ العزَّابة: أعلمهم وأكثرهم حكمة.
- أربعة مستشارين: يلازمون الشيخ ولا يصدر قرار بدونه.
- الإمام والمؤذن: يؤمّ الناس في الصلاة ويؤذن، وقد يكونان من المستشارين.
- وكيلا الأوقاف: عضوان متوسطا الحال يُشرفان على الأوقاف.
- المعلمون: ثلاثة أو أكثر حسب الحاجة.
- أعضاء حقوق الموتى: من أربعة إلى خمسة، يتولّون تجهيز الميت، والصلاة عليه، وتنفيذ وصاياه، إلخ.
ولا تُقام حقوق الميت إذا مات على معصية ظاهرة، ويترك الأمر للناس دون تدخل العزَّابة.
شروط الانضمام للحلقة:
- حفظ القرآن الكريم.
- اجتياز مراحل الدراسة كاملة.
- الالتزام بالزي التقليدي.
- حسن الخلق واللباقة.
- الرغبة في مواصلة العلم والتعليم.
- البعد عن مشاغل الدنيا.
- الطهارة الظاهرة والباطنة (غسل الجسد بالماء، والقلب بالماء والسدر).
واجبات العزَّابة:
- تنظيم التعليم.
- توفير حاجات الفقراء.
- حل الخلافات.
- إدارة الأوقاف.
- مراقبة الأسواق.
- تنظيم الحراسة.
- إعلان البراءة على العصاة.
- العلاقات الخارجية.
سلطة العزَّابة العليا:
إذا كانت القضية أكبر من صلاحيات الحلقة المحلية، تُرفع إلى المجلس الأعلى للعزَّابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر (شيخ العزَّابة في مركز الجبل)، ويُساعده مستشارون من شيوخ الحلقات الأخرى. تجتمع هذه الهيئة العليا مرة كل ثلاثة أشهر أو عند الضرورة، وتُعدّ قراراتها ملزمة لجميع الحلقات.
اختيار الأعضاء:
يُراعى في اختيار الأعضاء تمثيل مختلف القبائل، ويُؤخذ العضو الجديد إما من ترشيحات القبيلة أو من جمعية “إيروان”. وعند تعيينه، يُختبر التزامه ويبدأ بخدمة الحلقة. يُدربه أصغر الأعضاء السابقين، ويبقى في أسفل ترتيب الجلوس.
التأديب والعقوبة:
أخطاء العزَّابي تُعامل بصرامة:
- الخطأ الكبير: يُعلن عليه حكم البراءة علنًا ولا يعود للحلقة حتى إن تاب.
- الخطأ الصغير: يُؤدَّب سرًّا ويُبعد لفترة.
نشأة النظام:
ظهر نظام العزَّابة بعد انهيار الدولة الرستمية واضطهاد الإباضية على يد الأغالبة والفاطميين. قام الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر في أواخر القرن الرابع الهجري بجمع الأعراف وتدوينها كقانون مكتمل. من أبرز من كتبوا عنه: أبوزكريا بن بكر، أبو عمار عبد الكافي، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي.
قوتهم ونفوذهم:
سر قوة العزَّابة في:
- مثاليتهم الأخلاقية.
- تطبيقهم لمبدأ الولاية والبراءة بصرامة، حيث يُعزل العاصي اجتماعيًّا حتى يتوب.
علاقتهم بالسلطة:
شهدت علاقة العزَّابة بالسلطات الحاكمة تقلبات، وبلغت ذروتها من التعاون والتأثير الإيجابي مع عائلة الباروني، خاصة الشيخ عبد الله الباروني وابنه سليمان الباروني الذي أصبح نائبًا في إسطنبول بعد المشروطية، فجلب إصلاحات كثيرة لمدن جبل نفوسة، وخفّف من وطأة الدولة العثمانية على الإباضية، كما قنّن الجباية، وأجبر الولاة على احترام السكان نظرًا لصلة الجبل المباشرة بالعاصمة العثمانية.
المصدر: علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1993م.



















بارك الله فيك
أخي الكريم شكرا على الحصة